مؤيد الدين الجندي

218

شرح فصوص الحكم

إبراهيم عليه السّلام على هذا ، وقد يعود ذلك ، ثم لمّا نقله الله إلى ما هو أعلى ، وتحقّق برتبة الكمال ، فصار قلبه محلّ الاستواء الإلهي وينبوع تنوّع التجلَّيات ومنبعث أنوار الواردات الخارجة إلى الكون ، فانبعث الوارد - بمعنى القربان - من قلبه إلى القوّة المتخيّلة ، فصوّرت له المصوّرة ذلك القربان - وهو الكبش - على صورة إسماعيل لكونه صورة السرّ الذي أوجب عليه القربان ، فلمّا استيقظ لم يفسّر رؤياه بموجب مقتضى عالم الخيال ، بل جرى على سيرته الأولى على ما اعتاده . وكان مشهد إسماعيل عليه السّلام أيضا من هذا المشرب . فلمّا قال له : * ( يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى في الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) * أي لله قربانا ، فلم يزل إسماعيل عن معهود المشهود ، واستصحب الحال ، فقال : * ( يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ) * « 1 » . فصرّح أنّ الوحي إليه كان بهذا الطريق ، ولهذا السرّ أضيفت هذه الحكمة الحقّية إلى الكلمة الإسحاقية ، وسنذكر في داخل شرح المتن سرّ الحقيقة . قال - رضي الله عنه - : [ 7 ] « ثم حكمة عليّة في كلمة إسماعيلية » . إنّما أسندت هذه الحكمة إلى الاسم « العليّ » لما شرّف إسماعيل عليه السّلام بقوله : * ( وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ) * « 2 » ولأنّه كان صادقا في الوعد ، وذلك دليل على علوّ الهمّة في القول والفعل ، كما سنذكر . قال - رضي الله عنه - : [ 8 ] « ثم حكمة روحية في كلمة يعقوبية » . وحكمة إضافة هذه الحكمة إلى الروحية لأنّ الغالب على ذوق يعقوب عليه السّلام كان علم الأنفاس والأرواح ، حتى ظهر في وصاياه وإخباراته ، مثل قوله : * ( إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ) * « 3 » ووصيّى بنيه فقال : * ( لا تَيْأَسُوا من رَوْحِ الله إِنَّه ُ لا يَيْأَسُ من رَوْحِ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) * « 4 » وذوق أهل الأنفاس عزيز المثال « 5 » ، قد جعل الله لهم

--> « 1 » الصافّات ( 37 ) الآية 102 . « 2 » مريم ( 19 ) الآية 50 . « 3 » يوسف ( 12 ) الآية 94 . « 4 » يوسف ( 12 ) الآية 87 . « 5 » كذا . والظاهر : عزيز المنال .